حسن حنفي

182

من العقيدة إلى الثورة

ولا تفيد التفرقة بين نوعين من القدرة البدنية مثل الصحة وسلامة الحواس والأعضاء وبين ارتفاع الموانع النفسية وهي مجموعة البواعث والافكار والغايات فتكون الأولى قادرة على الضدين في حين تقدر الثانية على فعل واحد فقط لاثبات الكسب . وذلك لان تحريك اليد أو تسكينها ليس فعلا كاملا بل هو فعل بدني خالص وليس له أية دلالة على السلوك الانساني في حين أن الفعل القائم على البواعث والغايات هو الفعل الانساني الّذي يعبر عن طبيعة الانسان ووجوده . الفعل الحقيقي هو فعل الباعث والغاية ، وهو ما زال في هذه التفرقة لا يقدر على فعل الضدين لمقارنة قدرته لاحد الفعلين « 316 » . ولا يمكن اثبات أن القدرة لا تقدر على الضدين مع الابقاء على القدرة الممكنة قبل تحقق الفعل ودون حاجة إلى خلق قدرة جديدة للاتيان به . فطبيعة الانسان واحدة . والقادر على تحرير الشعب لا يقدر على استبعاده . والقادر على العلم لا يقدر على الجهل . الطبيعة موجهة للفعل كما أن الفكر موجه للسلوك . وكما أن الطبيعة لا تتغير فكذلك المبادي لا تتغير . وكما أن الغاية باعث على الفعل ، والغاية واحدة ماثلة حاضرة لا تغيب ، فالفعل كذلك واحد . لا تصبح القدرة قادرة على الضدين الا إذا تغيرت البواعث والمقاصد والأهداف . يستطيع الانسان بقدرته أن يفعل الشيء ونقيضه باستثناء البواعث والغايات . فالقادر على الحركة قادر على السكون ، والقادر على الكلام قادر على الصمت . ولكن القدرة البدنية ليست الا احدى مكونات الفعل بالإضافة إلى الباعث والغاية . بل إن عدم وجود الباعث والغاية يصيب الانسان أحيانا بالعجز عن الحركة وبالتالي بتراخي القدرة البدنية . فالافعال تتخلق بالبواعث والغايات . لو خلقت القدرة في لحظة الفعل كما هو الحال في الكسب بصرف النظر عن البواعث والغايات لحدث فعلان متضادات في وقت واحد . وإذا قيل أن الفعل لا يصلح الا لذاته دون ضده رجع الكسب إلى الجبر ، وأصبح

--> ( 316 ) هذا هو موقف الرازي الّذي يجوز القدرة على الضدين وعلى الفعل والترك في القدرة البدنية وحدها دون الداعية الجازمة التي ترجح أحد الضدين ، المعالم ص 80 .